السيد حيدر الآملي

212

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

حاجتهم ثمّ يرفع عنهم فصار النّور والظلمة على تضادّهما متظاهرين على ما فيه مصلحة هذا العالم . وأمّا بحسب حركاتها الجنوبيّة والشماليّة فقد جعل سبحانه ذلك سببا لإقامة الفصول الأربعة ففي الشتاء تغور الحرارة والنبات فيتولَّد منها موادّ البحار ويكثر السحاب والأمطار ويقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزيّة في البواطن ، وفي الربيع تتحرّك الطبائع وتظهر الموادّ المتولَّدة في الشتاء فيطلع النبات وينوّر الشجر ويهيج الحيوان للفساد ، وفي الصيف يحتدم الهواء وتنحلّ فضول الأبدان ويجفّ وجه الأرض ويتهيّأ للبناء والعمارة ، وفي الخريف يظهر اليبس والبرد فينتقل فيه الأبدان على التدريج إلى الشتاء فإنّه لو وقع الانتقال دفعة لهلكت وفسدت . وأمّا القمر فإنّ بحركته تحصل الشهور والأعوام كما قال سبحانه : لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ [ سورة يونس : 5 ] . فيتمكّن العبد بالحساب من ترتيب معاشه بالزراعة والحراثة وإعداد مهمّات الشتاء والصيف ، وباختلاف حاله في زيادته ونقصانه يختلف أحوال الرطوبات في هذا العالم ، فلو أنّه سبحانه خلق الأفلاك دون الكواكب لكان إن خلقها مظلمة لم يحصل ما ذكرنا من اختلاف الفصول والحرّ والبرد ، فلم يتمّ في هذا العالم ما كانت أسبابا فيه من الاستعدادات ولم يتميّز لنا « فصل عن فصل » قصد عن قصد كما قال تعالى : وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [ سورة النحل : 16 ] . وقوله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ سورة الأنعام : 97 ] . وان خلقها مضيئة تشابه أثرها في الأمكنة والأزمنة ، بل خلق فيها الكواكب ولم يخلقها ساكنة وإلَّا لأفرط أثرها في موضع بعينه فيفسد استعداده ويخلوا موضع آخر عن التأثيرات ، ولمّا تميّزت فصول السّنة ، ولمّا حصل البرد المحتاج إليه والحرّ المحتاج إليه فلم يتمّ نشوء النبات والحيوان ، وعلى الجملة فالنظام الكلَّي لا يحصل إلَّا فهو أكمل